فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ألا ترى أن كل من كانت مواظبته على عمل من الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك العمل منه فيه أقوى.
المقدمة الثانية: إنه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملكة الراسخة، وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة، بل كان يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في حصول تلك الملكة، والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة.
المثال الأول: أنا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف من فإنها تغوص في الماء بقدر شبر واحد، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من الحنطة، فهذا القدر من إلقاء الجسم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل، وإن قلت وبلغت في القلة إلى حيث لا يدركها الحس ولا يضبطها الخيال.
المثال الثاني: أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط أشكالها الطبيعية كرات فسطح الماء يجب أن يكون كرة والقسى المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة، فإن تحدب القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة الصغرى وإذا كان الأمر كذلك فالكوز إذا مليء من الماء، ووضع تحت الجبل كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته عندما يوضع الكوز فوق الجبل، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر كان احتمال الماء بالكوز أكثر، فهذا يوجب أن احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل، إلا أن هذا القدر من التفاوت بحيث لا يفي بإدراكه الحس والخيال لكونه في غاية القلة.
والمثال الثالث: إن الإنسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر، فإن رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما، لأن الأجرام الثقيلة تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز، إلا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي بإدراكه الحس والخيال.
فإذا عرفت هذه الأمثلة: وعرفت أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات فنقول: لا فعل من أفعال الخير والشر بقليل ولا كثير، إلا ويفيد حصول أثر في النفس.
إما في السعادة، وإما في الشقاوة، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] ولما ثبت أن الأفعال توجب حصول الملكات والأفعال الصادرة من اليد، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة، وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل، فلا جرم تكون الأيدي والأرجل شاهدة يوم القيامة على الإنسان، بمعنى أن تلك الآثار النفسانية، إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح، فكان صدور تلك الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جاريًا مجرى الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النفس، وأما الحساب: فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدخل والخرج، ولما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير والشر أثرًا في حصول هيئة من هذه الهيئات في جوهر النفس، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات المذمومة الخسيسة، ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة.
فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض، وبعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد، وقدر آخر من الخلق الذميم، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد، ومقدار ذلك الخلق الذميم، وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم، وهو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن، فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية، والله العالم بحقائق الأمور. اهـ.

.قال الماوردي:

{أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ} يعني القضاء بين عباده.
فإن قيل: فقد جعل لغيره الحكم؟
فعنه جوابان:
أحدهما: أن له الحكم في يوم القيامة وحده.
والثاني: أن غيره يحكم بأمره فصار الحكم له.
ويحتمل قوله: {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ} وجهًا ثانيًا: أن له أن يحكم لنفسه فصار بهذا الحكم مختصًا.
{وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: يعني سرعة الحكم بين العباد لتعجيل الفصل، وعبر عن الحكم بالحساب من تحقيق المستوفِي بهما من قليل وكثير.
والثاني: وهو الظاهر أنه أراد سرعة محاسبة العباد على أعمالهم.
ويحتمل مراده بسرعة حسابه وجهين.
أحدهما: إظهار قدرته بتعجيل ما يعجز عنه غيره.
والثاني: أنه يبين به تعجيل ما يستحق عليه من ثواب، وتعجيل ما يستحق على غيره من عقاب جمعًا بين إنصافه وانتصافه. اهـ.

.قال ابن عطية:

{ألا له الحكم} ابتداء كلام مضمنه التنبيه وهز نفس السامع، الحكم تعريفه للجنس أي جميع أنواع التصرفات في العباد و{أسرع الحاسبين} متوجه على أن الله عز وجل حسابه لعبيده صادر عن علمه بهم فلا يحتاج في ذلك إلى إعداد ولا تكلف سبحانه لا رب غيره، وقيل لعلي بن أبي طالب كيف يحاسب الله العباد في حال واحدة؟ قال: كما يرزقهم في حال واحدة في الدنيا. اهـ.

.قال الألوسي:

{أَلاَ لَهُ الحكم} يومئذ صورة ومعنى لا لغيره بوجه من الوجوه.
واستدل بذلك على أن الطاعة لا توجب الثواب والمعصية لا توجب العقاب إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله تعالى حكم وهو أخذ الثواب وهو ينافي ما دلت عليه الآية من الحصر {وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين} يحاسب جميع الخلائق بنفسه في أسرع زمان وأقصره، ويلزم هذا أن لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن.
وفي الحديث: «أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة».
وفي بعض الأخبار: «في مقدار نصف يوم».
وذهب بعضهم إلى أنه تعالى لا يحاسب الخلق بنفسه بل يأمر سبحانه الملائكة عليهم السلام فيحاسب كل واحد منهم واحدًا من العباد.
وذهب آخرون إلى أنه عز وجل إنما يحاسب المؤمنين بنفسه وأما الكفار فتحاسبهم الملائكة لأنه تعالى لو حاسبهم لتكلم معهم وذلك باطل لقوله تعالى في صفتاهم: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ} [البقرة: 174] وأجاب الأولون عن هذا بأن المراد أنه تعالى لا يكلمهم بما ينفعهم فإن ظواهر الآيات ومنها ما تقدم في هذه السورة من قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22] وقوله سبحانه: {وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق قَالُواْ بلى وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنعام: 30] تدل على تكليمه تعالى لهم في ذلك اليوم، ثم إن كيفية ذلك الحساب مما لا تحيط بتفصيلها عقول البشر من طريق الفكر أصلًا وليس لنا إلا الايمان به مع تفويض الكيفية وتفصيلها إلى عالم الغيب والشهادة.
وادعى الفلاسفة أن كثرة الأفعال وتكررها يوجب حدوث الملكات الراسخة وأنه يجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة بل يجب أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في ذلك وحينئذ يقال: إن الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك الأفعال الصادرة من اليد هي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة وكذلك الأفعال الصادرة من الرجل فتكون الأيدي والأرجل شاهدة على الإنسان بمعنى أن تلك الآثار النفسانية إنما حصلت في جواهر النفوس بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح فكان ذلك الصدور جاريًا مجرى الشهادة بحصول تلك الآثار في جواهر النفس.
وأما الحساب فالمقصود منه استعلام ما بقي من الدخل والخرج، ولما كان لكل ذرة من الأعمال أثر حسن أو قبيح حسب حسن العمل وقبحه ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة فلا جرم كان بعضها معارضًا بالبعض وبعد حصول المعارضة يبقى في النفس قدر مخصوص من الخلق الحميد وقدر آخر من الذميم فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك وهو إنما يحصل في الآن الذي لا ينقسم وهو الآن الذي فيه فيقطع فيه تعلق النفس من البدن فعبر عن هذه الحالة بسرعة الحساب، وزعم من نقل هذا عنهم أنه من تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة الفلسفية، وأنا أقول:
راحت مشرقة ورحت مغربا ** شتان بين مشرق ومغرب

. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وجملة: {ألا لَهُ الحكمُ وهو أسرع الحاسبين} تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر.
والعرب يجعلون التذييلات مشتملة على اهتمام أو عموم أو كلام جامع.
وقدّم المجرور في قوله: {له الحكم} للاختصاص، أي له لا لغيره، فإن كان المراد من الحكم جنس الحكم فقصره على الله إمَّا حقيقي للمبالغة لعدم الاعتداد بحكم غيره، وإمَّا إضافي للردّ على المشركين، أي ليس لأصنامكم حكم معه، وإن كان المراد من الحكم الحساب، أي الحكم المعهود يوم القيامة، فالقصر حقيقي.
وربَّما ترجَّح هذا الاحتمال بقوله عقبه: {وهو أسرع الحاسبين} أي ألاَ له الحساب، وهو أسرع من يحاسب فلا يتأخَّر جزاؤه.
وهذا يتضمَّن وعدًا ووعيدًا لأنَّه لمَّا أتي بحرف المهلة في الجمل المتقدّمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنَّهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة؛ فالصالحون لا يحبّون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعُجِّلت المسرّة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله: {وهو أسرع الحاسبين}. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)}.
ردَّهم إلى نفسه. وما غابوا عن القبضة. اهـ.

.قال في روح البيان:

قال بعض العلماء: المحاسبة لتقدير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها فيقدم الحساب على الميزان ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنة بلا حساب.
واعلم: أن الحشر والحساب لا يكون على وجه الأرض وإنما يكون في الأرض المبدلة وهي أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم عليها أحد فإذا ثبت الحشر والحساب، وأن الله تعالى هو المحاسب وجب على العاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش في الحساب لأنه هو التاجر في طريق الآخرة وبضاعته عمره وربحه صرف عمره في الطاعات والعبادات، وخسرانه صرفه في المعاصي والسيئات ونفسه شريكه في هذه التجارة، وهي وإن كانت تصلح للخير والشر لكنها أميل وأقبل إلى المعاصي والشهوات فلابد له من مراقبتها ومحاسبتها. اهـ.

.من فوائد السعدي في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ} بعد الموت والحياة البرزخية وما فيها من الخير والشر {رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} أي الذي تولاهم بحكمه القدري فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير ثم تولاهم بأمره ونهيه وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات ويعاقبهم على الشرور والسيئات وَلهذا قال: {أَلا لَهُ الْحُكْمُ} وحده لا شريك له {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} لكمال علمه وحفظه لأعمالهم بما أثبتته في اللوح المحفوظ ثم أثبته ملائكته في الكتاب الذي بأيديهم فإذا كان تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير وهو القاهر فوق عباده وقد اعتنى بهم كل الاعتناء في جميع أحوالهم وهو الذي له الحكم القدري والحكم الشرعي والحكم الجزائي فأين للمشركين العدولُ عن من هذا وصفه ونعته إلى عبادة من ليس له من الأمر شيء ولا عنده مثقال ذرة من النفع ولا له قدرة وإرادة؟
أما والله لو علموا حلم الله عليهم وعفوه ورحمته بهم وهم يبارزونه بالشرك والكفران ويتجرءون على عظمته بالإفك والبهتان وهو يعافيهم ويرزقهم لانجذبت دواعيهم إلى معرفته وذهلت عقولهم في حبه ولمقتوا أنفسهم أشد المقت حيث انقادوا لداعي الشيطان الموجب للخزي والخسران ولكنهم قوم لا يعقلون. اهـ.

.من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ}.
الْمَفَاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ- بِفَتْحِ الْمِيمِ- وَهُوَ الْمَخْزَنُ، وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي تُفْتَحُ بِهِ الْأَقْفَالُ، وَقُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ {مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ} وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْهِ، أَيْ أَنَّ خَزَائِنَ الْغَيْبِ- وَهُوَ مَا غَابَ عِلْمُهُ عَنِ الْخَلْقِ- هِيَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَفِي تَصَرُّفِهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ الْمَفَاتِيحَ- أَيِ الْوَسَائِلَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ- هِيَ عِنْدَهُ أَيْضًا لَا يَعْلَمُهَا عِلْمًا ذَاتِيًّا إِلَّا هُوَ، فَهُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِهَا عِلْمًا وَسِوَاهُ جَاهِلٌ بِذَاتِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ عِلْمًا بِهَا وَلَا أَنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِإِعْلَامِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُفَوَّضَ إِلَيْهِ إِنْجَازُ وَعْدِهِ لِرَسُولِهِ بِالنَّصْرِ، وَوَعِيدِهِ لِأَعْدَائِهِ بِالْعَذَابِ وَالْقَهْرِ، مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ رُسُلَهُ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ إِنْجَازَهُ إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْغَيْبِ وَاسْتِئْثَارِ اللهِ تَعَالَى بِعِلْمِهِ، وَمَا يُعَلِّمُهُ بَعْضَ خَلْقِهِ مِنَ الْحَقِيقِيِّ أَوِ الْإِضَافِيِّ مِنْهُ، وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} قَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْبَحْرِ كُلُّ مَكَانٍ وَاسِعٍ جَامِعٍ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُ الْمَاءُ الْمِلْحُ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْأَنْهَارِ بِالتَّوَسُّعِ أَوِ التَّغْلِيبِ. وَالْبَرُّ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ خَرْتِ الْأَرْضِ بِالْيَابِسَةِ. وَعِلْمُهُ تَعَالَى بِمَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِنْ عِلْمِ الشَّهَادَةِ الْمُقَابِلِ لِعِلْمِ الْغَيْبِ. عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي خَفَايَا الْبَرِّ وَالْبَحْرِ غَائِبٌ عَنْ عِلْمِ أَكْثَرِ الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مَوْجُودًا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْبَاحِثُ مِنْهُمْ عَنْهُ، وَقَدَّمَ ذِكْرَ الْبَرِّ عَلَى الْبَحْرِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَإِنَّ قَسْمَ الْبَحْرِ مِنَ الْأَرْضِ أَعْظَمُ مِنْ قَسْمِ الْبَرِّ، وَخَفَايَاهُ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} أَيْ وَمَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ مَا مِنْ نَجْمٍ أَوْ شَجَرٍ مَا إِلَّا يَعْلَمُهَا؛ لِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ كُلِّهَا {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} أَيْ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ حَبَّةٍ بِفِعْلِ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَبِّ الَّذِي يُلْقِيهِ الزُّرَّاعُ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ يَسْتُرُونَهُ بِالتُّرَابِ فَيَحْتَجِبُ عَنْ نُورِ النَّهَارِ، وَالَّذِي تَذْهَبُ بِهِ النَّمْلُ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحَشَرَاتِ فِي قُرَاهَا وَجُحُورِهَا، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِ فَاعِلٍ كَالَّذِي يَسْقُطُ مِنَ النَّبَاتِ فِي شُقُوقِهَا وَأَخَادِيدِهَا، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ مِنَ الثِّمَارِ وَنَحْوِهَا- إِلَّا كَائِنٌ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ- وَهُوَ عِلْمُ اللهِ تَعَالَى الَّذِي يُشْبِهُ الْمَكْتُوبَ فِي الصُّحُفِ بِثَبَاتِهِ وَعَدَمِ تَغَيُّرِهِ- أَوْ كِتَابُهُ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا قَبْلَهُ: {إِلَّا يَعْلَمُهَا} وَلِذَلِكَ قِيلَ: إِنَّهُ تَكْرِيرٌ لَهُ بِالْمَعْنَى، وَقِيلَ: بَدَلُ كُلٍّ أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا حِكْمَةُ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالذِّكْرِ؟ قُلْنَا: إِنَّ الْمَعْلُومَ- أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ إِمَّا مَوْجُودٌ وَإِمَّا مَعْدُومٌ، وَالْمَوْجُودُ إِمَّا حَاضِرٌ مَشْهُودٌ، وَإِمَّا غَائِبٌ فِي حُكْمِ الْمَفْقُودِ، وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ غَائِبٌ عَنِ اللهِ تَعَالَى، فَعِلْمُهُ تَعَالَى بِالْأَشْيَاءِ إِمَّا عِلْمُ غَيْبٍ وَهُوَ عِلْمُهُ بِالْمَعْدُومِ، وَإِمَّا عِلْمُ شَهَادَةٍ وَهُوَ عِلْمُهُ بِالْمَوْجُودِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الْخَلْقِ فَمِنَ الْمَوْجُودَاتِ مَا هُوَ حَاضِرٌ مَشْهُودٌ لَدَيْهِمْ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَاضِرٌ غَيْرُ مَشْهُودٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ لَهُمْ آلَةً لِلْعِلْمِ بِهِ كَعَالَمِ الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ مَعَ الْإِنْسِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَائِبٌ عَنْ شُهُودِهِمْ وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِإِدْرَاكِهِ لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَمَا هُوَ غَائِبٌ وَهُمْ غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لِإِدْرَاكِهِ لَوْ حَضَرَ، فَكُلُّ مَا خُلِقُوا غَيْرُ مُسْتَعِدِّينَ لِإِدْرَاكِهِ مِنْ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ فَهُوَ غَيْبٌ حَقِيقِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَكُلُّ مَا خُلِقُوا مُسْتَعِدِّينَ لِإِدْرَاكِهِ دَائِمًا أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَهُوَ- إِنْ غَابَ عَنْهُمْ- غَيْبٌ إِضَافِيٌّ. وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ خَزَائِنَ عَالَمِ الْغَيْبِ كُلِّهَا عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ مَفَاتِيحُهَا وَأَسْبَابُهَا الْمُوصِلَةُ إِلَيْهَا، وَأَنَّ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الشَّهَادَةِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ عِلْمَهُ بِكُلِّ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مِنْ ظَاهِرٍ وَخَفِيٍّ، ثُمَّ خَصَّ بِالذِّكْرِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ مِمَّا فِي الْبَرِّ:
إِحَاطَةُ عِلْمِهِ بِكُلِّ وَرَقَةٍ تَسْقُطُ مِنْ نَبْتَةٍ، وَكُلِّ حَبَّةٍ تَسْقُطُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ، وَكُلِّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ. فَأَمَّا الْوَرَقُ الَّذِي يَسْقُطُ فَهُوَ مَا كَانَ حَبًّا رَطْبًا مِنَ النَّبَاتِ فَأَشْرَفَ عَلَى الْيُبْسِ وَفَقَدَ الْحَيَاةَ النَّبَاتِيَّةَ وَالْتَحَقَ بِمَوَادَّ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ، وَقَدْ يَتَغَذَّى بِهِ حَيَوَانٌ بَعْدَ يُبْسِهِ أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ يَتَحَلَّلُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ سُقُوطِهِ، وَيَتَغَذَّى بِهِ نَبَاتٌ آخَرُ فَيَدْخُلُ فِي عَالَمِ الْأَحْيَاءِ بِطَوْرٍ آخَرَ، وَأَمَّا الْحَبُّ فَهُوَ أَصْلُ تَكْوِينِ النَّبَاتِ الْحَيِّ يَسْقُطُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ، فَمِنْهُ مَا يَنْبُتُ وَيَكُونُ نَجْمًا أَوْ شَجَرًا، وَمِنْهُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ بَعْضُ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْحَيَوَانِ، كَالطَّيْرِ وَالْحَشَرَاتِ، فَيَدْخُلُ فِي بِنْيَتِهَا كَمَا قُلْنَا فِيمَا قَبْلَهُ. وَأَمَّا ذِكْرُ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فِي هَذَا الْبَابِ، فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ تَدْخُلُ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ، ثُمَّ تَبْرُزُ فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ. وَعِلْمُ اللهِ تَعَالَى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى كَثْرَتِهَا وَدِقَّةِ بَعْضِهَا وَصِغَرِهِ، وَتَنَقُّلِهِ فِي أَطْوَارِ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ وَمَا يَتْبَعْهُمَا مِنَ الصُّوَرِ وَالْمَظَاهِرِ، وَحَسْبُكَ هَذَا الْإِيمَاءُ مِنْ حِكْمَةِ تَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَبَاحِثُ لِعُلَمَاءِ الْآثَارِ، وَجَوْلَاتٌ لِلنُّظَّارِ، نَذْكُرُ الْمُهِمَّ مِنْهَا فِي فُصُولٍ: